المناخ والمجتمع وسؤال التنمية

تعيش العاصمة نواكشوط هذه الأيام أجواء شتوية غير مألوفة، تتخللها زخات مطر وبرودة نسبية، وهو ما يضفي على المشهد مناخا «حسّاسا» يترك أثره الواضح على المزاج العام والحالة النفسية للأفراد. غير أن هذا الأثر لا يظل، بالضرورة، محصورا في المجال الوجداني، بل يفتح الباب أمام تساؤل أوسع: هل يمكن للمناخ أن يؤثر في طريقة عملنا، […]

screenshot 2025 12 28 220507

تعيش العاصمة نواكشوط هذه الأيام أجواء شتوية غير مألوفة، تتخللها زخات مطر وبرودة نسبية، وهو ما يضفي على المشهد مناخا «حسّاسا» يترك أثره الواضح على المزاج العام والحالة النفسية للأفراد. غير أن هذا الأثر لا يظل، بالضرورة، محصورا في المجال الوجداني، بل يفتح الباب أمام تساؤل أوسع:

هل يمكن للمناخ أن يؤثر في طريقة عملنا، ومن ثم في مستوى إنتاجيتنا؟

وإذا افترضنا، على طريقة أهل الرياضيات، ثبات التفسيرات التقنية السائدة للتنمية ـ من سياسات عمومية، وحوكمة، وتمويل، ومكافحة للفساد ـ فإن الإشكال لا يتعلق بالأدوات وحدها، بقدر ما ينتقل إلى مستوى آخر أعمق:

هل نحن فعلا في الظروف المناسبة للإنتاج؟

أي هل يمكن لنقاش التنمية، أو لشروط الإنتاج المعرفي والاقتصادي، أن يظل حبيس هذه المقاربات التقنية، أم أن ثمة محددات ثقافية ومناخية مسكوتا عنها تؤثر، بشكل مباشر أو غير مباشر، في قدرتنا على العمل والتراكم والاستمرارية؟

هذا السؤال طُرح قبل أكثر من عقد على المفكر والاقتصادي السنغالي الراحل «Amady Aly Dieng» أمادي علي ديينغ، الذي قدم مقاربة تختلف عن التفسيرات الشائعة. إذ يرى أن جزءا معتبرا من التفاوت في مستويات الإنتاج بين الشمال والجنوب لا يُفسر فقط بالسياسات أو بالإرادة الفردية، بل يُثير فرضية مفادها أن هذا التفاوت قد يرتبط أيضا بعاملين غالبا ما يُهملان في نقاشات التنمية: المناخ وبنية المجتمع.

في هذا السياق، وأثناء كتابة هذا النص، تذكرت لقاء شيقا جمعني بفقيهنا الشيخ محمد، دار حول إشكالية تدبير الوقت في زمننا. كما بدا لي أن هذا الطرح يمكن أن يُغنى بآراء من زاوية التحليل الاقتصادي، كما تطرحها كتابات الأستاذ عبد الله محمد، ومن زاوية فكرية، كما تعكسها أفكار شاعرنا Cheikh Nouh.

فعلى المستوى المناخي، يوضح ديينغ أن بلدان الشمال تستفيد من مناخ قارس، لا سيما خلال فصل الشتاء، يفرض على الناس البقاء داخل البيوت، وهو ما يوفر شروطا للعزلة والتركيز وتراكم الجهد. في مثل هذا السياق، تصبح القراءة، والكتابة، والعمل الفردي ممارسات شبه مفروضة، لا خيارا ثقافيا واعيا فحسب.

في المقابل، تسود في بلدان الجنوب أجواء صحوة معظم أيام السنة، مع شمس حارقة تدفع إلى الحياة في الخارج، حيث يغلب الاجتماع الدائم والكلام المتواصل و«الجلوس». هذا النمط من العيش قد لا يوفر دائما شروط العزلة المنتظمة التي يتطلبها أي فعل إنتاجي متراكم.

وعلى المستوى الاجتماعي، يُضيف ديينغ مقارنة لا تقل أهمية. فمجتمعات الشمال، إلى جانب أثر المناخ، تتيح للفرد هامشا واسعا من الاستقلال عن محيطه العائلي والاجتماعي، وتخفف من ضغط الالتزامات اليومية، بما يجعل التفرغ للعمل والانكفاء عليه أمرا مشروعا ومقبولا اجتماعيا.

أما في مجتمعات الجنوب، فتتسم الحياة الاجتماعية بكثافة الروابط العائلية، وتعدد الواجبات، وتواتر الطقوس والمناسبات، وهو ما قد يستنزف الزمن والطاقة، ويجعل التفرغ المنتظم للإنتاج مسألة معقدة، إن لم تكن صعبة.

ويعزز ديينغ هذا التحليل بأمثلة من الواقع الثقافي الإفريقي، من بينها حالة الكاتب السنغالي أوسمان سوسي ديوب، الذي أنجز أعماله الأدبية الأساسية، مثل «Mirage de Paris» و«Karim»، خلال إقامته في فرنسا، حيث توفرت له شروط العزلة والتنظيم، قبل أن يتوقف عن النشر بعد عودته إلى بلده وانغماسه في الالتزامات الاجتماعية والعائلية.

كما يشير إلى أن عددا من كبار المفكرين والمبدعين الأفارقة، مثل سنغور والشيخ أنتا ديوب وميراغو ديوب، قد توفرت لهم ظروف خاصة، من بينها زواجهم من أجنبيات، وهو ما أتاح لهم قدرا من المسافة عن الضغوط العائلية اليومية، ومكنهم من الحفاظ على هامش من التفرغ للإنتاج.

ومن بين الخلاصات التي يمكن استخلاصها من هذا الطرح أن المثقف أو المنتج، في هذا السياق، قد لا يبدع إلا إذا كان، بدرجة ما، »هامشيا«؛ أي حاضرا في مجتمعه، لكنه قادر في الوقت نفسه على وضع مسافة بينه وبين ضغطه الاجتماعي اليومي. وهو شرط قد يبدو نادر التحقق في البنى الاجتماعية السائدة في بلدان الجنوب، لكنه ـ في نظر ديينغ ـ يظل شرطا بنيويا لكل إنتاج متراكم، ومن ثم لكل مسار تنموي حقيقي.

ويبقى السؤال مفتوحا:

إلى أي حد يمكن إدماج هذه المحددات الثقافية والمناخية في نقاشات التنمية دون الوقوع في التبرير أو الحتمية؟

وهل نحن مستعدون لإعادة التفكير في شروط الإنتاج نفسها، لا في أدواته فقط؟

Sidi Mohamed Sid’El Moustaphe

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

0

Subtotal