【هل نحلم بلغةٍ لم نبكِ بها؟】

أنا وأنت نعيش الغربة ذاتها، لكن بطرقٍ مختلفة. أنا أستيقظ باكرًا كل يوم، أحمل حقيبتي وأمضي إلى مدرسةٍ لغتها فنلندية؛ معلّموها فنلنديون، وضحكات زملائي فنلندية.أعيش اللغة هناك كاملةً: أتعلم بها، أفكر بها، أجادل وأخطئ وأُصلح نفسي بها.ثم أعود إلى البيت، فأخلع تلك اللغة عند العتبة، وأنغمس من جديد في لغةٍ أخرى؛ أتحدث بها مع أهلي، […]

الشاعر أحمد حسين n

أنا وأنت نعيش الغربة ذاتها، لكن بطرقٍ مختلفة.

أنا أستيقظ باكرًا كل يوم، أحمل حقيبتي وأمضي إلى مدرسةٍ لغتها فنلندية؛ معلّموها فنلنديون، وضحكات زملائي فنلندية.
أعيش اللغة هناك كاملةً: أتعلم بها، أفكر بها، أجادل وأخطئ وأُصلح نفسي بها.
ثم أعود إلى البيت، فأخلع تلك اللغة عند العتبة، وأنغمس من جديد في لغةٍ أخرى؛ أتحدث بها مع أهلي، أقرأ بها تدوينات الأصدقاء، وأكتب بها ما يضيق به صدري.
كأنني أعبر يوميًا بين عالمين متوازيين لا يلتقيان.

هذه الغربة كُتبت عليّ وعليك وحدنا تقريبًا؛
فأغلب شباب العالم يدرسون بلغتهم، يضحكون مع رفاقهم باللغة نفسها، يلعبون بها، يبدعون بها، ويتغزلون بها دون أن يشعروا أنهم مجبرون على التنقل بين هويات لغوية متعددة.
اللغة عندهم بيتٌ واحد، لا منفى مؤقت.

أما أنت، فقد كُتب عليك العناء بشكلٍ آخر.
تدرس بلغة، وتعيش مع رفاقك بلغةٍ ثانية، وتعود إلى بيتٍ يتنفس لغةً ثالثة.
كأن شحط النوى قذفت بك إلى بلدٍ بعيد، لا لأنك غريب الأصل، بل كأنك وُلدت لسفير في أرضٍ ليست أرضه؛ لغتها ليست لغتك، وثقافتها ليست ثقافتك، ومدرستها ليست امتدادًا طبيعيًا لبيتك.

أنا وأنت ضحايا ازدواجية اللغة، لا بوصفها نعمة أو معرفة إضافية، بل لأنها فُرضت علينا دون انسجام.
نتعلم بلغة لا نحلم بها، ونحلم بلغة لا ندرس بها.
نفكر بشيء، ونُجبر على التعبير عن أنفسنا بشيءٍ آخر.

فنكبر، وفي داخلنا شرخٌ خفي:
من أنا حقًا؟
وبأي لغة أكون نفسي؟
بأي لغة أرتب أفكاري، ولأي أمة أنتمي؟

وهنا تتكشّف المفارقة كاملة.
في البلدان التي تُدرّس بلغتها،
لا يكفي أن تكون اللغة لغتك الأم لتدخل بها الفصل معلما.
فحتى من وُلد أكنافهاا، وتنفّسها منذ طفولته عبقها،
لا يُسمح له أن يُدرّسها
إلا بعد تكوينٍ جامعي،
وشهادات تربوية،
وترخيصٍ رسمي من الدولة.
لأن التعليم هنا مهنة،
لا مجرد إتقان لغة.

أما في بلد التيه اللغوي،
فالمفارقة موجعة:
تُسلَّم الفصول أحيانًا
لمن لا يملك من لغة التدريس
إلا بضع كلمات،
لا هي لغته الأم،
ولا سبق له أن تلقّى تكوينًا جامعيًا يؤهله للتعليم.
فيقف هو غريبًا عن اللغة،
ويقف التلميذ غريبًا عن نفسه.

هذه ليست مجرد مسألة تعليم، بل قضية هوية.
فازدواجية اللغة في موريتانيا لم تصنع جسورًا،
بل صنعت مسافات داخل الإنسان نفسه.
جعلت المدرسة جزيرة،
والبيت جزيرة،
والشارع جزيرة ثالثة،
بينما نحن نتنقل بينها بلا مرسى ثابت.

غربةٌ لغوية صامتة،
يعيشها جيلٌ كامل،
ولا يتحدث عنها إلا من ذاق مرارتها

تدوينة بقلم: احمد حسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

0

Subtotal